العمارة العربية
بقلم د. يونان لبيب رزق
محمود فواد المهندس بالاوقاف كتب في خريف عام1915 سلسله من المقالات نشرتها له الاهرام تحت عنوان فن العماره العربيه لم نملك بعد قراءتها سوي ان نعيد نشر اهم ما جاء فيها بعد اكثر من ثمانين عاما.. الاسباب: ان قارئ اليوم ربما يكون اشد حاجه من قارئ اوائل القرن للتعرف علي هذا الفن وتاريخه, ان المقالات كتبت بلغه سهله وكان كاتبها واعيا انه يضعها لجمهور القراء غير المتخصصين فجاءت خلوا من التعبيرات الفنيه التي قد يصعب علي غير المهندسين استيعابها, فضلا عن ذلك فان الرجل قد تعرض بالضروره الي فنون اخري متصله بالعماره مثل فن الزخرفه وفن الكتابه مما اضفي علي المقالات كثيرا من اسباب المتعه! استهل محمود فواد سلسله مقالاته فيما نشرته له الاهرام في19 اكتوبر عام1915 برصد اسباب الصعوبه في تناول مثل هذا الموضوع, وكانت; عدم وجود كتب عربيه قديمه من تاليف العرب سوي المحفوظه في مكتبات اوربا, اضمحلال الفنون والعلوم العربيه بالموت الادبي للامم الشرقيه علي وجه العموم حتي لم يبق لديهم اساس علمي يمكنهم من فهمها. تحول بعدئذ ليسجل مفارقه غير طريفه موداها انه في الوقت الذي تقوم اوربا فيه بتاليف المولفات الضخمه بالفنون العربيه المعماريه وغيرها نري انتشار الطروز الاجنبيه في البلاد الاسلاميه, خصوصا في مصر, الامر الذي لا يوافقنا حسا ولا معني, وهذه خاصيه الامم المتاخره تقلد سواها ولا تفهم للتقليد معني! يعزو بعد ذلك الفضل للفرنسيين في الحفاظ علي اثار العماره العربيه, فبعد قدومهم الي مصر في حملتهم الشهيره عام1798 اخذوا كثيرا من الكتب النفيسه التي كان اجدادنا قد اخفوها بعد الفتح العثماني. ومما عملوه انهم رسموا كل الاثار العربيه علي اختلاف انواعها وعملوا لها اطالس عظيمه وهذه الرسومات ملونه بالالوان الطبيعيه وانه لعمري عمل عظيم جدا, ومما يدل علي فخامه هذا العمل الجليل ان وزاره الاوقاف بمصر اشترت نسخه من هذه الاطالس من مده قريبه.. كذلك كانت فرنسا السبب في انشاء لجنه حفظ الاثار العربيه المصريه التي لها فضل عظيم في حفظ الاثار المصريه جزاها الله عنا خيرا! المقال الثاني اعطاه عنوانا فرعيا.. منبع فنون العماره العربيه, وكان بمثابه استعراض تاريخي لتطور هذه العماره.. البدايه: ان العرب في مبدا فتوحاتهم كانوا يستعملون بعض اعمده الكنائس المتهدمه في بناء المساجد ولانها كانت قصيره كانوا يصنعون فوقها عقودات في غايه الاتقان والابداع, واستعمالهم لهذه الاعمده في مبدا الامر ما كان الا لسرعه البناء لاقامه الشعائر الدينيه في المساجد التي يبنونها. بعد استكمال الفتوحات واستقرار الدوله العربيه الاسلاميه انتبهوا لكافه العلوم والفنون والصنائع فاخذوا عن غيرهم في اول الامر ثم بعد ذلك صححوا ما اخذوه واكتشفوا من انفسهم علوما وفنونا لم يسبقهم اليها احد لان الدرجه التي وصلوا اليها كانت تحتم عليهم الاختراع وعدم التقليد. ويتحول مهندس الاوقاف عند هذه النقطه للرد علي ما كرره البعض من ان العرب لم يكن لهم فن اصلي لانهم استلفوا العناصر الاصليه من عماراتهم من الامم التي تقدمتهم بانه من البديهي ان قبل الوصول للاستنباطات الشخصيه تستفيد كل امه من الامم التي تقدمتها بالاعمال وفي العصور المتواليه لتاريخ التصميم البنائي نري نفوذ الماضي موجود دائما ومن ذلك نستنتج انه لم يكن لاي عصر منها فن اصلي, ولم يرد احد ان يحافظ علي فن من تقدمه كما هو. الاصل الحقيقي في راي محمود فواد هو السرعه التي تعرف بها الامه تغيير الادوات الموجوده باخري مناسبه لاحتياجاتها ثم بعد ذلك تخترع فنا جديدا. ولا توجد دوله فاقت العرب في هذه النظريه.. فعقلهم المخترع ظاهر من ابتداء اثارهم الاولي كجامع قرطبه مثلا فهم الذين علموا الاجانب كيفيه استعمال الاختلاطات الجديده الاكثر اهميه, وقد اخترعوا بذلك فنا جديدا منبعه ذكاوهم. ويستشهد صاحبنا في هذه المناسبه بالنص الذي جاء في كتاب مدنيه العرب الذي وضعه جوستاف لوبون وكان يكفي القاء نظره علي اي اثر من اثار العرب كسراي او جامع او اي شئ بسيط لمعرفه ان هذه الاعمال الفنيه مبينه لعدم وجود خطا في اصلها. فمهما كانت كبيره او صغيره فان المخترعات المختلفه للشغل العربي ليس لها قرابه حقيقيه عند مصنوعات امه اخري فمنبع فنونهم المعماريه وخلافها هو صريح وواضح. في المقال الثالث يشخص محمود فواد القيمه الفنيه لفنون العماره العربيه, وهو ينكر ان يكون عمل الفنان مجرد النقل من الطبيعه لانه اذا انحصر الفن في ذلك فيكفي وجود اله الفوتوغرافيا ولا حاجه اذن لرجال فنيين يبحثون في ترقيه الفنون بل ترقيه افكار الامه. ويدلف من ذلك الي تحديد العلاقه بين العماره العربيه والطبيعه, فيري انها لم تنقل شيئا عنها كالانسان والنبات والحيوان بل ان الطروز التي اخترعوها كانت ترمي الي تجميل الطبيعه وكان اذا ما اقتضي الامر باخذ شئ من الطبيعه جملوه وجعلوه مفرحا للناظرين, فمن ذلك الاسد الذي كان موجودا بقصر الحمراء بالاندلس فقد كان يعوم في فسقيه علي شكل مركب وكان هذا الاسد عظيم الصوره لم يصنع ابهي منه وهو مطلي بذهب ابريز وعيناه جوهرتان. وياخذ الحماس الكاتب عندما يخلص الي القول ان الفنون العربيه هي الفنون الوحيده التي حازت لشروط الجمال لا في امه واحده بل في الامم كافه, ويعود مره اخري لكتاب جوستاف لوبون لتدعيم هذا القول, ويقتطف بعض ما جاء فيه من ان العرب كانوا ميالين في جميع فنونهم خصوصا المعماريه الي تجميل الطبيعه فهم رجال فنون بمعني الكلمه. وانها امه شعراء, والشعر ما هو الا فن, صارت غنيه جدا وانتشرت في جميع الاقطار ونالت مدنيه لم تنلها امه اخري لا يبعد عليها تحقيق احلامها الخياليه الموجوده في شعرها وهذا هو ما حصل تشهد به كل اثارهم من قصور شاهقه ومساجد فاخره متناهيه في الجلاله والفخامه. ويبرهن محمود فواد علي ما حازته فنون العماره العربيه من شروط الجمال بما كانت تقوم به الشركات الاجنبيه وقتئذ بعمل العمارات علي الطروز العربيه والدليل قريب جدا وهي بعض مباني مصر الجديده الحديثه. فلولا استحسانهم لها وتفضيلهم اياها علي غيرها ما قاموا بهذا العمل الجليل.
قبل ان يستعرض صاحب مقالات ما جاء به فن العماره العربيه من اشكال مبتكره سعي للربط بين التقدم الذي احرزه العرب في هذا الميدان وبين تقدمهم في سائر الميادين.. فهو يربط بين تقدم علم الجيولوجيا وبين طبيعه مواد البناء التي استخدموها, والسبب الذي دفعهم الي التوسع في هذا العلم هو اتساع ملكهم ودراستهم جغرافيته الطبيعيه والسياسيه والتاريخيه والرياضيه والدينيه والاقتصاديه, وانهم لما درسوا جيولوجيه الكره الارضيه جلبوا المهمات المعماريه من بلدان مختلفه متباعده.. ومره اخري يعود بنا الرجل الي غرناطه للتدليل علي صحه كلامه, فيقول انه لما شرع الملك الناصر في بناء قصر الحمراء جلب الرخام الوردي والاخضر من افريقيا والابيض المجزع من ايطاليا وغير ذلك كثير. ينبه ايضا الي التطور الذي اصاب العماره العربيه في طبيعه مواد البناء التي استخدموها, فهم قد استعملوا اولا الطوب فيما يكشف عنه جامع طولون في مصر, ثم عرفوا بعد ذلك استخدام الاحجار فيما تنم عنه قصور مدينه كوبا في جزيره صقليه وبوابات مصر وجامع الحاكم بامر الله ومسجد السلطان حسن, واستعملوا في اسبانيا نوعا من الاسمنت المسلح مكونا من مزيج الجير والرمل والطفل والحجار الصغيره التي تصير صلبه كالحجر المنحوت. اما الاشكال المبتكره التي جاء بها فن العماره العربيه فيراها محمود فواد خمسه.. الاعمده والتيجان, العقود, المنائر والماذن, القباب, ثم الدلايات او المقرنصات, وقد افرد لكل منها مساحه معقوله في مقالاته.. الاعمده والتيجان: ويعترف ان العرب نقلوها اولا عن الاثار اليونانيه والرومانيه والبيزنطيه والتي استخدموا اعمدتها في مساجدهم وعماراتهم مثال ذلك جامع عمرو في مصر, غير انه ما ان فرغ هذا المعين حتي بنوا اعمدتهم وكانت ذات طابع خاص. والمعلوم ان العمود يتركب من ثلاثه اجزاء, القاعده والبدن والتاج, وتتشابه الاعمده اليونانيه والرومانيه والقوطيه, والتي لم تزد حلياتها عن اشكال نباتيه تحفر في التيجان فقط, اما الاعمده العربيه فلم تاخذ عن غيرها بل كانت ابتكارا عربيا محض وهي في الغالب محلاه في اجزائها الثلاثه بالنقوشات المحفوره ومطعمه بالسن والعاج وتيجانها مزينه بالكرانيش والمقرنصات والنقوش البلديه, ويعود مره اخري ليستشهد باعمده قصر الحمراء الموجوده في حوش السباع. العقود: فلم يكن معروفا قبل العرب سوي العقد النصف اسطواني, وجاء هولاء ليقدموا اشكالا منها.. العقد الستيني, العقد المخموس, العقود ذات الثلاثه مراكز, والعقود المكونه من اقواس ممزوجه بخطوط مماسه لها. ويلاحظ صاحبنا ان اشكال العقود اختلفت باختلاف البلاد التي دخلها العرب فالعقود في مصر كانت تبتدئ من القمه وتنتهي عند وترها ولم يكن نزول القوس اسفل الوتر ناطقا. اما في اسبانيا وافريقيا فقد كان الامر بالعكس فان نزول القوس اسفل الوتر ناطقا مبالغ فيه يعطي للعقد شكلا خاصا يمكن تشبيهه بشكل نعل الجواد. وصار ذلك من مميزات الفن العربي في اسبانيا وافريقيا, ويخلص في عرضه لهذا الشكل المبتكر من فنون العماره العربيه الي القول ان اغلب العقود المستعمله الان في الطراز الاجنبي ماخوذه من العقود العربيه بفضل بحث رجالهم واجتهادهم الذي عاد علي فنونهم بالتقدم والنجاح. المنائر والماذن: والتي اقيمت لمناداه المصلين وقت حلول الصلاه, وقد اختلف شكلها من بلد الي اخر, فهي مخروطيه احيانا, ومربعه احيانا اخري واسطوانيه احيانا اخيره, وكان من الطبيعي ان يتوقف محمود فواد طويلا عند القاهره باعتبارها مدينه الالف مئذنه, اذ يجد الانسان فيها اشكالا مختلفه وكثير من المنائر في مصر اذكر منها مناره قايد بك والسلطان حسن تدهش العقول وتاخذ بالالباب لانها جمعت بين البراعه الفنيه في نصبها والبراعه العلميه في طرق قطع احجارها وحساب مقاومتها واخيرا البراعه الصناعيه في بنائها وترتيبها. ويضيف ان المنائر في مصر تتكون من دورين او ثلاثه واحيانا اربعه.. مربعه في الدور الاول, مثمنه في الدور الثاني, اسطوانيه في الدور الثالث وباجتماع هذه الاشكال المختلفه بطرق متناهيه في الدقه والجمال تتكون المناره بشكلها البديع يقر بها الناظر وتشهد بما كان للعماره العربيه من التقدم في قديم الزمان. القباب: ويقول محمود فواد انها كانت معروفه من قبل عند ملوك الساسانيين, وبدرجه اقل عند البيزنطيين, وكانت اشكالها نصف كرويه اي ذات مركز واحد, اما في العماره العربيه فقد اختلف الامر, فقد ابتكر هولاء القباب ذات القمم العاليه والمنحنيات النازله اسفل المراكز, وهذا الابتكار شانه في ذلك شان الابتكارات الاخري يتناول امرين.. الاول: ان القباب العربيه اختلفت باختلاف البلاد التي فتحها العرب ففي افريقيا وفي القيروان منخفضه القمه وكانت تنشا في المساجد علي العموم. اما في مصر فاشكالها ذات عظمه وابهه محلاه من الخارج والداخل ولم تعمل الا في المساجد التي فيها مقابر او علي المقابر الخاليه من المساجد كضريح الغوري مثلا. وفي سوريا يوجد تشابه بين قبابها وقباب مصر الا انها ليست مكسيه بالحليات. الثاني: ان اغلب القباب التي يتم تشييدها في العصور الحديثه في الطرازات الاجنبيه وغيرها ماخوذه من القباب العربيه ذات الاشكال المختلفه. الدلايات او المقرنصات: وهي شبيهه بخلايا النحل وسميت بذلك لانها تتدلي في الفراغ في طبقات مصفوفه ببراعه فنيه, وكانت وظيفتها ان تملا الفراغ عند الانتقال من سطح مربع الي سطح دائري, ومثل بقيه ابتكارات العماره العربيه فقد اختلف شكل المقرنصات من بلد عربي الي بلد عربي اخر, غير انها خاصه بالعرب ولم يعرف قبلهم شئ عنها في امه من الامم. ويتوقف محمود فواد عند استخدام هذا الابتكار في مصر ويقول ان ذلك حدث في عصر الدوله الفاطميه التي استقلت بحكم الديار المصريه مائتي سنه وثمانيا وستين كانت القاهره تتسع في مده خلافه كل خليفه بما يستجد داخلها وخارجها من المباني الفاخره, فهم اول من استعمل الاحجار في المباني المصريه وكانت القاهره في ايامهم مقرا للعلوم والفنون والصنائع ومقصدا للتجاره من جميع اطراف المملكه.. واول مسجد استعملت فيه المقرنصات هو مسجد الاقمر بالنحاسين ومن بعده استعملت عند من اتوا من بعدهم كما يري في مسجد السلطان حسن بالقلعه ذلك المسجد النادر المثال لكونه عمل في اكبر قالب واضخم شكل واحسن هندام!
المجموعه الثالثه من مقالات محمود فواد عن فن العماره العربيه خصصها للزخرفه او ما يسميه الافرنج( ارابسك) وقد حرفت قليلا عند الصناع الوطنيين وسموها( عربسك), وقد اسماها الرجل روح فن العماره وان كانت فرعا مستقلا بذاته اساسها النظام والاشكال الهندسيه ومنبعها ذكاء العرب المدهش وما جبلوا عليه من قوه الالهام والبراعه في الخيال والميل الي تجميل الطبيعه. ويعتذر الكاتب في مستهل هذه المجموعه الاخيره ان شرحه سوف يبقي ناقصا للافتقار للرسوم والاشكال, فلم تكن الصحف حتي ذلك الوقت, بما فيها الاهرام, تملك من الامكانات الفنيه ما تقدر معه ان تدرج مثل تلك الرسوم, وان كان قد احال القارئ الي المجلدين الكبيرين اللذين اصدرهما المسيو برجوان عن اشكال الزخرفه العربيه, ويضم كل منهما نحو ثلاثمائه لوحه. بعض هذه اللوحات خاصه بالنجاره; ابواب, شبابيك, مشربيات وغيرها, ومنها ما هو خاص باشغال الرخام والبلاط والموزاييك, ومنها ما هو متصل بالاسقف واشكالها, وما هو متعلق بالتذهيب والتوريق, واخيرا ما هو مرتبط باعمال الزجاج. ويتوقف صاحب المقالات عند فن النقش الذي يدخل في جميع انواع الزخرفه العربيه الناشئه من المضلعات والهندسه او الناشئه عن الزركشه والكتابه العربيه, ويتوقف عند تصوير الكائنات الحيه ويعترف انها كانت موجوده في فن العماره العربيه غير انها اقتصرت علي سرايات الملوك والامراء وخلافهم, اما المساجد فلا يصح تصوير الكائنات الحيه فيها. ويوكد في هذه المناسبه ان المسلمين تمسكوا في بادئ الامر بتحريم تصوير الانسان غير انهم بعد ذلك لم يلتفتوا اليها كثيرا كما يثبت ذلك من الاثار العربيه الباقيه. يتوقف ايضا عند تلوين النقوش والصور ودهانها ويقرر ان العرب احبوا تلوين نقوشهم بالوان مختلفه بطرق علميه وفنيه وذلك في جميع اثارهم في المساجد والقصور والمحلات غير المقدسه وكانوا يرسمون الكائنات الحيه كما هي بل كانوا يلونونها بالوان ذهبيه وفضيه وخلافها حسب الاصول الفنيه.. ومع ذلك فان زخارفهم ليست هي التي كانت ملونه فقط بل كثيرا ما نري جميع اجزاء العماره من حيطان واعمده وخلاف ذلك ملونه. فسطح حائط الحمراء كان ملونا بالوان فاتحه كما هي ملونه جدران المسجد الداخليه. كعاده محمود فواد في رصد الاختلافات بين فن العماره العربيه في سائر البلدان, فقد تناول تلك الاختلافات في هذا الجانب المتصل بالتلوين, فالالوان المستخدمه في تلوين النقوش في مصر كانت متعدده; الاحمر, الازرق, الاصفر, الاخضر, الذهبي والفضي, اما في الاندلس, وفي الحمراء علي وجه التحديد, فقد اقتصرت الالوان علي اربعه; الازرق, الاحمر, الاصفر والذهبي وكان اللون الاكثر رونقا وظهورا وهو الاحمر يوضع في الاجزاء الداخليه من الاشكال, والازرق يوضع في المحيطات الخارجيه بكيفيه تجعله يشغل اكبر سطح لاظهار مزيه اللون الاحمر واللون الذهبي, وهذه الالوان مفصوله عن بعضها بخطوط بيضاء او بالظل الحادث عاده من بروز الحليات او منهما معا. ويوكد الرجل في نهايه حديثه عن هذا الجانب في فن العماره العربيه علي ما اتصفت به تلك الالوان من ثبات وعدم تاثرها بالعوامل الجويه مع انه مضي علي بعضها اكثر من الف عام واذا قارنا ذلك بما يحصل للالوان الحاليه عرفنا ان هناك سرا لا يزال غامضا عنا في تكوين مواد الالوان. ولا ينتهي الرجل من مقالاته قبل ان يخصص مكانه معتبره للكتابه العربيه لما كانت تحتله من مساحه اساسيه في فن العماره العربيه.. في البدايه خصص لها جانبا من موضوعه عن الزخرفه, وكيف انها موجوده في كل الاثار تقريبا, وان الكتابه الكوفيه استعملت في مبدا الامر ثم الكتابه البغداديه والتي تخالف الكتابه الكوفيه في الميل الي اجاده الشكل وحسن الرسم وبعد ذلك في عصر المامون استعملت الكتابه التي نعرفها اليوم وهي الثلث والنسخ والرقعه. وقد لاحظ ان الكتابه التي تزخرف بها العماره كانت في الغالب ايات قرانيه والبسمله وقاعده الايمان عند المسلمين وهي( لا اله الا الله محمد رسول الله) وخلاف ذلك مما يذكر المسلم بواجباته الدينيه والدنيويه. ويبدو ان محمود فواد قد لاحظ ان الكتابه العربيه تستحق قسما خاصا, الامر الذي دعاه في النهايه الي ان يخصص لها اكثر من مقال قدم فيها بحثا في تاريخ الكتابه.. المقال الاول خصصه للكتابه الهيروغليفيه تاسيسا علي ان المصريين القدماء كانوا اول من ابتكروا الكتابه الصوريه وقد وجد الاثريون طرقا عديده للوصول الي فهم الكتابه الهيروغليفيه والمدار فهمها علي الرسم اذ لا يمكن قراءه كلمه منها الا بعد حفظ الاشارات. يصنف بعدئذ اللغات في العالم في ثلاث مجموعات; الساميه: واشهر مستخدميها المتكلمون بالعربيه والعبرانيه والسريانيه والكلدانيه والحبشيه, والاريه: وهي جنوبيه وشماليه اما الجنوبيه فهي المنتشره في الهند وفارس, واما الشماليه فهي اللغات المعروفه بالهنديه الاوربيه وتشمل لغات اوربا وامريكا وتكتب بالحروف اللاتينيه او اليونانيه او السلافيه, اخيرا اللغه التورانيه التي يتحدث بها الاتراك. وقد لاحظ محمود فواد في نهايه تلك المقالات ان الحروف العربيه, ونتيجه لانتشار الاسلام, قد دخلت في الكتابه في مجموعتين اخريين غير المجموعه الساميه التي تنتمي اليها, فهي قد دخلت في المجموعه الاريه بعد ان اتخذها الفرس كاداه لكتاباتهم, ودخلت في المجموعه التورانيه بعد ان كتب بها الاتراك, وهي بالتالي فرضت نفسها علي فنون الزخرفه المعماريه التي عرفتها تلك البلاد. صحيح ان الاتراك قد تخلوا عن الكتابه العربيه واستخدموا الحروف اللاتينيه خلال العشرينات في عهد كمال اتاتورك غير انهم لم يتمكنوا ابدا من تغيير تلك الكتابه التي حفلت بها القصور والمساجد, والتي بقيت جزءا اصيلا من التراث المعماري التركي!
نشرت هذه المقالة في جريدة الاهرام في عددها 40841 الصادر يوم الخميس 1 اكتوبر 1998.
|